|
|
|
|
|
|
|
الفصل الثامن
عشر
على النيل الأزرق
من
كتاب: حرب النهر، للسير ونستون تشرشل
|
|
انكسرت سلطة الخليفة وقوة جيشه إلى الأبد في
الثاني من سبتمبر، ومعركة أم درمان هي النهاية الطبيعية لقصة الحرب
هذه. ولكن بالنسبة للذين قاتلوا وبالنسبة للذين سقطوا في العمليات
التي تلتها، تأخرت النهاية بعض الشيء، لم يعد اهتمام الجمهور
البريطاني بعد النصر مركزاً على السودان.
نقلت آخر كتيبة بريطانية إلى شمال أسوان. وعاد آخر مراسل صحفي على
عجل إلى القاهرة أو إلى لندن، ولكن العمليات العسكرية لم تكن قد
انتهت بعد.
لقد هزم العدو، وبقي إعادة فتح البلاد.
مازال الدراويش في حاميات الأقاليم يحافظون على ولائهم للخليفة.
وظلت عدة قوات من العرب تحافظ على روح القتال، ولم تكن كردفان
البعيدة ودارفور الأبعد قد تأثرتا بعد بالمعركة الكبرى التي دارت
عند ملتقى النيلين. وراجت شائعات بأن هناك أوربيين في أقصى الجنوب.
عاد الاحتلال الرسمي لأغلب أنحاء السودان المصري تلقائياً بفضل
السيطرة التامة التي حققها السردار على مجرى الملاحة على النيل.
وأصبحت جميع المدن والمراكز التي على الأنهار الرئيسية وروافدها،
تحت رحمة البواخر المسلحة.
ولم يبق إلا إرسال جنود لاحتلالها، ورفع العلمين البريطاني والمصري
عليها. فأرسلت حملة فوراً على كل من النيلين الأبيض والأزرق لتأسيس
حاميات ولإخضاع البلاد ما أمكن ذلك.
غادرت الأولى أم درمان في الثامن من سبتمبر بقيادة السردار شخصياً
وأبحرت على النيل الأبيض إلى فشودة، وسبق أن روينا الأحداث التي
ترتبت على تلك الرحلة الهامة. أما الثانية المؤلفة من الباخرتين
)شيخ وحفير) وفرقتين من الجنود والفرقة الموسيقية التابعة للكتيبة
السودانية العاشرة ومدفعية رشاشات، الجميع بقيادة الجنرال هنتر،
فقد غادرت أم درمان في التاسع عشر من سبتمبر وأبحرت على النيل
الأزرق إلى أبو حراز1 وتبعتهم بقية الكتيبة العاشرة حالما فرغت
البواخر الأخرى من نقل الفوج البريطاني إلى عطبرة وإحضار الإمدادات
إلى أم درمان، وكان تقدم الحملة على النهر يشبه موكب الابتهاج
بالنصر.
اجتمع أهالي القرى النهرية على الشواطئ وهتفوا هتافات عالية
ومتواصلة، بعضها تعبيراً عن الارتياح بالخلاص من قهر الخليفة وعذاب
الحرب، وبعضها من الخوف، وبعضها من الدهشة، وطيلة تقدم البواخر
رافقها الأهالي على الشاطئ، الرجال يرقصون ويلوحون بسيوفهم،
والنساء يزغردن ترحيباً بالحكام الجدد. وقد وصف استقبال الحملة
عندما مرت بأماكن ذات أهمية، حيث كان الناس يعدون بالآلاف، بأنه
كان مثيراً، وبلغ الحماس بالوطنيين لدرجة جعلتهم يحطمون بيوتهم لمد
البواخر بحطب الوقود. وليس بإمكاني أن أقول إن كان ذلك صحيحاً أم
لا، ولكن من المؤكد على أي حال أن البواخر مدت بالوقود، وأن الحملة
أثناء تقدمها استقبلت استقبالاً حسناً من قبل القبائل الزنجية التي
طالما كانت تستاء من طغيان العرب. |
|
|
|
|
|
|
|
في الثاني والعشرين من سبتمبر وجد قطاع كبير من جيش عثمان دقنة،
لم يكن قد اشترك في معركة أم درمان، معسكراً في الجزيرة على مسافة
بضعه أميال شمال رفاعة. واستدعي الجنرال هنتر الشيوخ والأمراء
فاستسلموا وألقت القوى المؤلفة من حوالي 3000 رجل أسلحتها. وقيد
موسى دقنة ابن أخ عثمان دقنة وقائد القوة وأخذ سجيناً. أما
الباقون، الذين كان أغلبهم من منطقة سواكن، فمنحوا امتياز أمان
وأمروا بالعودة إلى أوطانهم – الأمر الذي لم يضيعوا أي وقت في
تنفيذه. |
|
|
 |
|
ووصل الجنرال في اليوم التالي إلى ود
مدني، حيث كانت حامية الدراويش المؤلفة من 1000 رجل قد استسلمت للباخرة شيخ، ونقل
هؤلاء الرجال الذين كانوا دراويش نظاميين، في مراكب شراعية إلى أم درمان حيث أضيفوا
إلى أسرى الحرب الذين سبق جمعهم. وفي التاسع والعشرين من سبتمبر وصل الجنرال هنتر
إلى الرصيرص، التي تبعد نحو 400 ميل من الخرطوم، وهي أقصى حد تبحر إليه البواخر على
النيل الأزرق. وبحلول الثالث من أكتوبر أكتمل تأسيس حاميات من الكتيبة السودانية
العاشرة في كل من الرصيرص وكركوج وسنار (المقر السابق لحكومة المديرية) وود مدني.
وبعد أن رتب الجنرال هنتر أيضاً نظام دوريات للبواخر، وعاد إلى أم درمان.
ولكن كانت هناك قوة واحدة من الدراويش لا تنوي الاستسلام للغزاة، ولم يكن بالإمكان
تشتيتها إلا بعد ثلاث عمليات قتال عنيفة وحرجة، كان أحمد فضيل، أحد الموالين
المتحمسين والمتفانين للخليفة، قد أرسل، بعد هزيمة عطبرة لجمع الدراويش الذين يمكن
جمعهم من منطقتي القضارف والقلابات وإحضارهم للانضمام إلى الجيش المتنامي في أم
درمان. ونفذ الأمير واجبه بإخلاص، وكان مسرعاً لمساعدة سيده بجيش قوي وحسن التنظيم
مؤلف من 800رجل عندما تلقي نبأ الهزيمة وهو على بعد 60 ميلاً من المدينة. فتوقف
فوراً، وحاول إخفاء الكارثة عن جنوده بإخبارهم بأن الخليفة قد أنتصر ولم يعد بحاجة
إلى مساعدتهم. وبرّر حتى ظهور البواخر على النهر قائلاً إن هذه تمكنت من المرور دون
أن تصيبها أم درمان وأن البواخر الأخرى قد دمرت. غير أن الحقيقة لم تظل مخفية لفترة
طويلة، إذ وصل إلى معسكر الدراويش بعد بضعة أيام رسولان بعثهما سلاطين وأعلنا
القضاء على جيش أم درمان وهروب الخليفة وسقوط المدينة، وكان الرسولان مفوضين لتقديم
شروط لأحمد فضيل، ولكن ذلك الدرويش العنيد استشاط غضباً وأطلق النار على أحدهما
وأرسل الأخير بعد أن أوسعه سباً وجلداً وأمره بإخبار الترك بأنه سيقاتل حتى النهاية
المريرة. ثم فض معسكره وزحف عائداً على طول الشاطئ الشرقي للنيل الأزرق مزمعاً أن
يعبر النهر بالقرب من ملتقاه مع نهر الرهد ومن ثم الانضمام إلى الخليفة في كردفان.
ولكن دراويشه لم ينظروا إلى هذه الخطة بعين الرضا. كانوا قد تركوا عائلاتهم ونساءهم
بمخزون كبير من الحبوب والذخيرة تحت حامية قوية مؤلفة من 3000 رجل، وحثوا قائدهم
على العودة وجمع هذه الإمدادات فرفض أحمد فضيل في بادئ الأمر، ولكن عندما وصل إلى
نقطة العبور ووجد أنه مواجه بإحدى البواخر قرر أن يحول الضرورة إلى فضيلة وتحرك على
مهل نحو القضارف.
|
 |
|
وفي
الخامس والعشرين من سبتمبر علم الكولونيل بارسونز، قائد القوات في
كسلا، من حاكم ارتريا الإيطالي، بالنصر في أم درمان. وفي اليوم
التالي وصلت الأخبار الرسمية من انجلترا، ووفقاً لتعليمات سابقة
تحرك في السابع من سبتمبر إلى القضارف. كان معلوماً أن أحمد فضيل
قد زحف إلى أم درمان، والمعتقد أنه ليس بالقضارف إلا حامية ضعيفة،
الأمر الذي يتيح فرصة نادرة لقطع طريق جيش الدراويش القوى المتبقي
من قاعدته. ولكنها كانت مغامرة يائسة. جمعت كل القوة المتوفرة من
حامية كسلا، وبهذه القوة المؤلفة من 1350 رجلاً من عناصر مختلفة،
غير مجربين وبقليل من النظام، مرهقين من طول الانتظار والمرض، وبلا
سلاح فرسان أو مدفعية أو رشاشات وبسبعة ضباط بريطانيين فقط بما
فيهم الطبيب، تم الاستيلاء على القضارف، ولكن ذلك لم يكن سهلاً
بحال من الأحوال.(يتبع) |
|
|
|
من
كتاب: حرب النهر، للسير ونستون تشرشل |