|
مقدمة :
رغم ازدراء البعض...و....الإشادة والحماس الزائف من البعض
وإهمال البعض لمناشداتي شفاهة و كتابة ... (لأنني لست من أهل
الديار) هذا مع الرأفة .
أزجي بخالص شكري وتقديري للقلة القليلة التي رحبت بمشروعي
التوثيقي (القضارف ...والرجال و المدن التوائم ) وقدمت ما
لديها بسخاء .
بعض الذي احتجته وفرته وثائق مخطوطة وإصدارات هي إضافة حقيقية
لمحور الوثائق في المكتبة السودانية .
بابكر النور
الحلقة الأولي :
القضارف القلابات والبي عبد الله
القضارف القلابات :-
وكما الفارس والسيف والجواد توائم؛ ما ذُكر الفارس إلا وتذكر
الناس السيف والجواد، فالقضارف أيضاً
توائم من الرجال والمدن والأماكن،
ما ذكرت القضارف إلاّ وتذكروها وماذكر واحد منها إلا وتذكر
الناس القضارف، منها البطانة، (بطانة
علي وأب علي وحسان) وقبوب ود زائد شحم ألبل والناظر محمد حمد
أبو سن، والبي عبد الله بكر مصطفي،
وغابة الفيل، خورأبقرع وأبو فارغة،
القدمبلية، الحواتة، دوكة، الشواك،
والقلابات بوابة السودان القديم،
التي عرفت كمعبر من وإلي الحبشة وكمركز تجاري حتى يومنا هذا .
القضارف الجديدة تعيدني لسطور طالعتها قبل سنوات وردت ضمن
مذكرات (السير اقوين بل) الذي عمل بالسودان (1931- 1945م)
والذي ألحق عام 1931م مساعداً لمفتش مركز القضارف والتي جمعها
في كتابه (Shadows on the sand) وخاصة الجزء الذي أعده الصحفي
الراحل بشير محمد سعيد تحت اسم (إدارة السودان في الحكم
الثنائي) وقام بترجمته للعربية الأستاذ حسين بيومي . حيث قال
عن مدينة القضارف (ذات مظهر أشبه بأفريقيا منه بالبلدان
العربية تكثر فيها القطاطي المصنوعة من الأخشاب والقصب
والأعشاب لم يكن عدد سكانها حينذاك (1931م) يتجاوز خمسة عشر
ألف وهم خليط من القبائل العربية والنيجيرية والإرترية
والحبشية) أما المنطقة التي كان يقطنها المركز كله فقد كان
يسكنها نحو من ثلاثمائة ألف نسمة وكانت مساحتها تبلغ ثلاثين
ألف ميل مربع أو ما يقر بمن مساحة (اسكتلنده) أما القضارف
القديمة هي سوق ود أب سن الذي أنشأه الشيخ محمد عوض الكريم أبو
سن والذي توسط جبال القضارف ليصبح النواة الأولي للمدينة
الجديدة (القضارف )التي كانت تتبع لمركز عصار التابع لحكمدارية
دوكة .
بالرغم من ذلك حظيت القلابات عبر التاريخ بسمعة كبيرة وشهرة
ورد أسمها في كتابات الرحالة من الأوربيين ذكرها جيمس بروس وهو
في طريق عودته من الحبشة عبر المتمة الإثيوبية في طريقه إلي
سنار عام 1772م وكتب عنها صموئيل بيكر عام 1862م وقال عنها
هولت (كانت القلابات سوقاً عظيماً للتجارة مع الحبشة ومركزاً
لمستعمرة التكارير في السودان، وكان زعيمهم الشيخ صالح إدريس (صالح
شنقا) الذي قاوم المواجهات المبكرة للمهدية ثم هرب (بعد سقوط
القضارف في يد عامل المهدية الحسن ودعبد الواحد) محتمياً
بالملك يوحنا من بطش الخليفة .
القلابات عرفت والأيام مهدية القادة (محمد ود الأرباب - يونس
الدكيم - حمدان أبو عنجة - أحمد ود علي - عبد الله إبراهيم -
الزاكي طمل وعربي دفع الله . كما عرفت تمرد (آدم محمد البرقاوي)
الذي كان مجاهداً في راية (عبد الله البرقاوي) التابعة لجيش
الأمير يونس ود الدكيم المرابطة في القلابات في نهاية 1887م
حيث أعلن آدم البرقاوي بأن (نبي الله عيسي) وقد تم استجوابه في
هذا الشأن أمام مجلس كوتة الأمير حمدان أبو عنجة مع عدد من
الأمراء ونواب الشرع فكانت دفوعاته كما كتب (محمد محمود
مالك-المقاومة الداخلية لحركة المهدية) تتمثل في قوله (أنا نبي
الله عيسي فإن لم تصدقوا بي الآن فلا تصديق لكم بعد هذا ،إن
الحق عز وجل أخبرني بأنني نبي الله عيسي ،وكذلك الرسول صلي
الله عليه وسلم ) . وفي ضوء هذا الإقرار فوض الخليفة عبد الله
الأمير حمدان أبو عنجة بشنق البرقاوي ونفر من أنصاره. وقد تضمن
منشوراً للخليفة جاء فيه وصفاً لرؤيا رأي فيها الخليفة
المتآمرين يعذبون في جهنم ولم تنفعهم من ذلك العذاب شفاعة
الخليفة نفسه.
انكسرت سلطة الخليفة وقوة جيشه إلي الأبد في الثاني من سبتمبر
1898م كما قال (ونستون تشرشل) في كتابه (حرب النهر) وفقاً
لتعليمات سابقة تحرك من كسلا (الكولونيل بارسونز) في السابع من
سبتمبر 1898م إلي القضارف وفي العشرين من الشهر شقوا طريقهم في
الأدغال التي تقع بين نهر عطبرة والقضارف وعلي بعد(12) ميلاً
من القضارف علموا بأن الأمير سعد الله ينتظرهم بقوة مؤلفة من
(3.500) رجل وعلي بعد ميلين من القضارف كان التراجع في تلك
المنطقة الصعبة مستحيلاً ولم يكن هناك بديل عن القتال وكانت
معركة حامية وطويلة تمكنت فيها قوة "بارسونز" من التغلب أخيراً
علي الدراويش .
واستلمت مدينة القضارف التي كانت قد تركت بحامية صغيرة مؤلفة
من (200) من الجنود بقيادة النور عنقرة. كان الكولونيل يترقب
ظهور أحمد فضيل وفي الثامن والعشرين من الشهر أبلغ الهجانة أن
حرس الطليعة التابع لجيش أحمد فضيل يقترب من المدينة. وقاتل
الدراويش بسالة وبعد أن خسر الدراويش أكثر من (500) رجل بين
قتيل وجريح أدركوا هزيمتهم وتراجعوا إلي مجموعة من أشجار
النخيل علي بعد ميلين من غرب المدينة. وصلت القضارف من أم
درمان فرقة نجدة لمساعدة "بارسونز" فأدرك أحمد فضيل أن لم تعد
لديه الآن فرصة لاستعادة المدينة فقادر موقعه نحو الجنوب بحرس
قوي لحماية تراجعهم ومنع الأفراد الذين قد يريدون الهروب منهم
(حرب النهر - تشرشل) .
وهكذا لم يكن أمام شتات جيوش الخليفة المنتشرة علي امتداد
المنطقة الغربية والجنوبية من القضارف خيار سوي توفيق أوضاعها
بالإقامة المؤمنة والاستيطان فيما بعد هم وأسرهم التي برفقتهم
منذ احتلال القضارف في عام 1884م وفي حروبهم ضد الحبشة في جبهة
القلابات وقد كان معظمهم من قبائل دارفور وكردفان. والذين
صاروا فيما بعد أساس نظارة بكر التي كان نفوذها يمتد من
الأطراف الجنوبية لمدينة للقضارف حتى القلابات .
ومن جهة أخري التحقت القوات الوطنية التي أسسها الإيطاليون
والمكونة من الإرتريين والأحباش و الصوماليين وشرائح من قبائل
البني عامر الحدودية بخدمة الجيش المصري حيث كانوا النواة
الأولي لأورطة العرب الشرقية بالقضارف وكان من قياداتهم
اليوزباشي أحمد إبراهيم حاج أغا ومعه أربعة عشر ضابطاً من
أبناء قبائل البني عامر والهدندوة .
وأبان الحرب العالمية الثانية أغارت إيطاليا علي موقع قريب من
القلابات حيث استولت علي عدد هائل من الممتلكات ودخلت بها إلي
الحبشة التي احتلتها إيطاليا عام 1935م هذا الاعتداء عزز
الاتهام الموجه لإيطاليا في نيتها غزو السودان .
وقد ورد في مذكرات الأستاذ محمد خير البدوي (مواقف وبطولات
سودانية من الحرب العالمية الثانية ) (عثر بالفعل بعد هزيمة
الإيطاليين علي وثائق تثبت أنهم كانوا يريدون غزو السودان
عسكرياً ووضعوا خطة لتحقيق ذلك الهدف وهو احتلال مدينة القضارف)
( عبر القلابات) والخط والحديدي الذي يمر بها إلي الخرطوم
وبورتسودان وتخريب قنوات الري في الجزيرة عن طريق الغارات
الجوية لإغراق حقول القطن التي تعتبر العمود الفقري للاقتصاد
ومن ثم احتلال الخرطوم .
لقد كانت هزيمة دول المحور (ألمانيا ، إيطاليا ، اليابان) من
العوامل الأساسية في ازدياد أعداد الأسر والأفراد من العسكريين
أو المدنيين من دول الجوار (الحبشة – إرتريا وقبائل الحدود في
منطقتي كسلا والقضارف) والذي لم ينقطع بعد سقوط الدولة المهدية
وهزيمة دول المحور وقد تم تعيين السيد حسن حاج أغا وكيلاً
لنظارة البني عامر بمنطقة القضارف عام 1946م كما كان الشيخ (تقنجا)
شيخاً علي القوميات الحبشية .
وبعد الحرب العلمية الثانية صارت القضارف منطقة أكثر جاذبية
للاستثمار الزراعي للعديد من شرائح القبائل السودانية وخاصة
بعد قيام الزراعة الآلية التي بدأت كمرحلة أولي من الأربعينات
(1945-1953م) حيث نشأت كمشاريع تابعة للإدارة البريطانية
لتوفير المواد الغذائية لجيوش الحلفاء أثناء الحرب العالمية
الثانية . ثم كانت مرحلتها الثانية ما بين (1954-1968م) وفي
المرحلة الثالثة تم تكوين(هيئة الزراعة الآلية) كهيئة مستقلة
أسندت إليها الإشراف العام علي الزراعة الآلية بالسودان.
لقد كان تطور الزراعة الآلية عامل من العوامل الهامة في تدفق
الأيادي العاملة الزراعية من مختلف بقاع السودان ودول الجوار
طاب لمعظمهم المقام واستقروا وشكلوا لوحة القضارف ذات التعدد
العرقي والثقافي ، يجمع بينهم جميعاً إيقاعاً نادراً وفريداً
أسمه القضارف فإن كانت سواكن القديمة ذات كينونة دولية تمنح
جنسيتها "السواكنية" لمن أستوطنها، فإن القضارف التي أرضعت بلا
منٍّ أو أذي الجميع ومنحت اسمها للجميع فأنجبت وصقلت تلك
القامات النادرة التي أعطت القضارف بلا حدود والتي مجدتها
وخلدتها الروايات الشفاهية وقصائد الشعر فصيحة ودارجة وأناشيد
الافتتاح للبث و الإرسال لإذاعة الولاية وتلفازها، والتي تلهج
شكراً وعرفاناً وتخليداً لتلك الرموز (الماضي كل ما نملك)
والتي كل ما ذكرت في زماننا الكالح تزداد ألقاً وبريقاً، فنصاب
جميعاً نحن وذويهم بالحسرة والإحباط والخجل ونتمسك أكثر بصدق
المقولة التي صارت مثلاً (النار تلد الرماد) والتي نادراً ما
تخيب و النادر لا حكم له. |