الأستاذ: بابكر النور

القضارف الرجال والمدن التوائم

 

تقديم: (هذه كتابات توثيقية لتاريخ مدينة ومنطقة القضارف، بقلم الأستاذ بابكر محمد النور، نشرت مسلسلة في حلقات بصحيفة السوداني خلال شهر يوليو 2006م، بها حقائق وأحداث  لم تجد نصيباً من النشر قبلاً- علاوةً على أنها تمثل إضافة ثرة لتاريخ المنطقة. رأينا نشرها حتى تعم الفائدة).        -إدارة الموقع

 
الحلقة السادسة الحلقة الخامسة الحلقة الرابعة

الحلقة الثالثة

الحلقة الثانية

الحلقة الأولى

 

مقدمة :
رغم ازدراء البعض...و....الإشادة والحماس الزائف من البعض وإهمال البعض لمناشداتي شفاهة و كتابة ... (لأنني لست من أهل الديار) هذا مع الرأفة .
أزجي بخالص شكري وتقديري للقلة القليلة التي رحبت بمشروعي التوثيقي (القضارف ...والرجال و المدن التوائم ) وقدمت ما لديها بسخاء .
بعض الذي احتجته وفرته وثائق مخطوطة وإصدارات هي إضافة حقيقية لمحور الوثائق في المكتبة السودانية .

 بابكر النور


القضارف ....والرجال والمدن التوائم
الحلقة الثالثة :-
الأسود وتماسيح الجيرة وسيد القبوب ود زايد


عرف سهل "القبوب" (شرق البطانة) بقبوب ود زايد، وقد أسدي الأستاذ الراحل الطاهر عبد الكريم خدمة كبيرة للمكتبة السودانية في مجال التوثيق عبر بحثه (ود زايد شحم ألبل) كما تناوله الأستاذ/ علي محمد حمد أبو كليقة بالتقييم، ومحمود ود زايد هو زعيم قبيلة الضبانية سيدة ضفاف نهر أتبرا حتى قرية الجيرة التي كانت واحدة من حاميات الحكم التركي المصري حتى قيام الثورة المهدية وهي تقع علي نهر سيتيت علي الحدود السودانية الإثيوبية .
والجيرة كانت واحدة من الحاميات المهددة من قبل جيوش المهدية وكانت السلطات البريطانية المصرية تسعي لتخليص هذه الحاميات المهددة وقد تم توقيع معاهدة عام 1884م مع الملك يوحنا ملك الحبشة بموجبها يسترجع المنطقة المعروفة بإرتريا الآن التي كانت قد أخذتها منه مصر مقابل تسهيله إخلاء الحاميات الحدودية .
كانت القلابات قد أخليت عام 1885م إلا أن الحامية التوأم في الجيرة لم تخلص إلا بعد أربعة أشهر عندما وصل جيش حبشي من المشارق كما يقول (هولت) وطرد الأنصار في يوليو 1885م، استولوا علي المخازن وانسحبوا هم والجنود المصريين وأخذوا طريقهم عبر أكسوم ونهر تكازي (نهر عطبرة) إلي مصوع.
ويذكر السير(قوين بل) (في الجيرة التي تقع علي نهر سيتيت (ألحّ علي السكان أن أقوم باصطياد أسد كان يهاجم ماشيتهم وكانت الأسود كثيرة في تلك المنطقة ولم تكن بندقيتي من النوع الذي يسمح باصطياد الأسود ولكن مع رجال الشرطة المرافقين لي بنادق من العيار المناسب .وبدأت محاولاتنا لاصطياد الأسود قبل حلول الفجر وكان يرافقني أحد القرويين وهو يحمل فأساً ضخمة علي كتفه وآخر ليدلنا علي الطريق ولعله لم يكن واثقاً من مقدرتنا علي اصطياد الأسد أو هو لم يكن متفائلاً في العثور عليه . طرقنا دروباً كثيرة ومتعرجة وصعدنا إلي أعلي الصخور وهبطنا إلي بطون الأودية علي ضفة نهر عطبرة وأخيراً وبعد لأي رأينا آثار لأحد الأسود ولكننا لم نستطع متابعتها وأخذ الإعياء منا كل مأخذ. فقررنا العودة علي أعقابنا وحتى لا نرجع للقرية صفر اليدين اصطدنا تمساحين من التماسيح التي كانت تهاجم الأغنام لقد كانت الأنهار في تلك المنطقة تعج بالتماسيح، وقد شهدت أعداداً كبيرة منها ترقد علي الطين في حافة الماء من طائرة حلقت بي عام 1932م علي طول نهر سيتيت واليوم نادراً ما نجد تمساحاً علي هذه الأنهار بفعل الصيد الجائر فقد كانت المنطقة تعج بقطعان الغزلان والأفيال والزراف وتصحرت أيضاً بفعل القطع الجائر ولم تسلم حتى أشجار الهشاب التي تنتج الصمغ العربي) .
*ود زايد:-
عاش الضبانية في هذه المنطقة (القبوب) كما يعيش البدو في شبه الجزيرة العربية يتتبعون مواطن الكلاء لرعي الماشية التي يعتمدون عليها كمورد رزق أساسي بجانب الزراعة أو كما ذكر الراحل د. عون الشريف قاسم (الضبانية هم من جهينة يسكنون البطانة جهة القضارف والقلابات إلي حدود الحمران وغرباً إلي نهر الرهد، ومنهم مزارعون وأرباب إبل، وقد اشتهروا بالكرم حتى صار يضرب بقدح زعيمهم محمود ود زايد المثل، ومحمود ود زايد كان والده ناظراً للقبيلة في التركية وهو من مواليد قرية (شرنوب) علي نهر عطبرة 1821م) .
والقدح المشار إليه اسمه (السرتيك يعني القارب الصغير) يقال أنه يسع مالا يقل عن خمسة جوالات من الذرة تخبز عصيدة (لقمة)، حيث تنقل إليه بواسطة ست قداحة أصغر تسمي (الدمير)، وأن أحد هذه الأقداح الستة موجود الآن بمتحف الخليفة بأم درمان، وأن القدح (السرتيك) قد حطم إهمالاً زمن المهدية، وهناك رواية تقول أن (قدح السرتيك) قد وحّل عجلاً عندما كان مليئاً (بالقمة)، وفي ذلك يقول شاعر ود زايد . (في قدح الضحى إتوحل الحولي ) لقد كان يملاء السرتيك وقت الضحي ويأتي الناس أفواجاً ويأكلون كل الوجبات إلي الليل .
قال شاعره عبد الله ود مرين في كرم محمود ود زائد :

مـن قومة الجهل مـن الكبار مـأمون
يـانيل (الفرات) الفاض علي (سيحون)
كان حـضر البرامكة مـا بقـصر دون
وبالجـود والـكرم اشبـه لـي بهرون

وكان يأتي إليه المحتاج من بعيد لسمعته بين جميع قبائل السودان بالكرم والشهامة وها هو شاعره يقول:
جيتك من بيعد واطي الجمر والشوكة
محمـود يا صـمد اليجـنك الـروكة
صـقر المبـتر القـرع الحبش من دوكة
وذات يوم جاءت إليه امرأة من (العمارنة) تطلب العون والمساعدة وها هي بعد مدحه تقدم طلبها بكل ثقة وتقول :
يامـلك الـعرب الفـوق تاجه بتقلب
جيـتـك ولـيه مـني لا تـغـلب
بدور (الجالة) الوهطية الفوقة بتهيب
بـدور (المنـجة) أحـلب وأشـرب
بدور طايع الرقيق المابقولو ليهو العب
فكانت إجابة الناظر ود زايد (أبشري بالخير (حرم) كل القلتيه تلقيه) .

*واقعة صقورة :-
سميت بذلك (واقعة صقورة) فبعد الموقعة مباشرة توافدت الصقور علي جثث الموتى . وكانت الموقعة في أواخر عهد السلطنة الزرقاء بين قبيلة الضبانية وقبيلة رفاعة الشرق (الحمدة) وهي تسكن شرق النيل الأزرق . وكان السبب الأساسي الذي دفع هاتين القبيلتين للقتال ، كان لديهم ذرة مخزونة داخل "مطامير" وتركت تحت مسؤولية الشيخ الدقلاش، ولما سافرت قبيلة الضبانية طلباً للمرعي في سهل البطانة، سمعت بأن رسولاً من قبيلة الحمدة جاء إلي الشيخ (الدقلاش) وطلب منه تسليمه الذرة، وبالطبع رفض الشيخ ولكن قبيلة الضبانية نظرت إلي الأمر بأنه مهانة للقبيلة ورجعت ورفضت أن تعطي قبيلة الحمدة حتى نصيبها من الذرة عقاباً لها ورداً لشرف قبيلة الضبانية. وكانت الواقعة التي مات فيها إثناء عشر ألف شخصاً من قبيلة الضبانية وسبعة ألف شخص من قبيلة الحمدة .
ويعترض الناقد (أبو كليقة) علي قول المؤلف (إن هذه الموقعة أدت إلي إنقراض قبيلة الضبانية) ويقول (إن أعدادهم أصبحت أقل مما كانت عليه قبل ذلك وهذه حقيقة ولكن الذي أعتقده كحقيقة وواقع إن الذي أدي إلي نقص أعداد الضبانية هو الثورة المهدية، وخاصة أن زعيم القبيلة كان قد رفض الخضوع لحكومة المهدية فتم اعتقاله بواسطة قوة من جنود الأنصار، وقد أدي ذلك لتجريد قبيلة الضبانية من جميع ممتلكاتها من إبل وماشية وذرة إلي أن حدثت مجاعة انقرض فيها عدد منهم وهاجرت جماعات منهم إلي الحبشة وهكذا تشتت القبيلة) .
للزعيم محمود ود زايد شاعر أوردنا اسمه وهو (عبد الله ود مرين)، وهو شاعر مغمور وليست له شهرة في أوساط القبيلة بل لا يعرفه إلا القليل وقد دار حواراً بين ود زايد وشاعره حول الذرة (العيش)الذي هو كل شيء لأنه الحياة ولا يجود به إلا الكريم الشجاع جاء فيها :
(1) الشاعر ود مرين : سمح إن كدبوه وجاء المطر بالليل
وسمح إن صفصفوه وجابوا الجمال للشيل
وسمح إن يممموه يجيب الدهب بالكيل
وسمح إن أكلوه الما بلك الحيل
(2) ود زايد : سمح إن كدبوه وجاء المطر بالعم
وسمح إن صفصفوه وجابوا الجمال للحم
وسمح إن يممموه يجيب الدهب بالخم
وسمح إن أكلوه عزيمته بين حرم
وهناك شاعرة هي جارية ود زايد لها قصائد في رثاء ود زايد وشجاعته وكرمه وقد حازت علي شهرة كبيرة بين أفراد القبيلة، ولها قصائد كثيرة في الشيخ محمود ود زايد تغني بها أفراد القبيلة وهي الشاعرة (خادم الله جقرة) .
*الاعتقال :-
كان ود زايد في مقره (بالتومات) بنهر أتبره حيث صدر أمر الخليفة عبد الله سراً بتجريد قبيلة الضبانية واعتقال ود زايد. (ورد في مذكرات يوسف ميخائيل ص:136 ما يؤكد ذاك حيث كتب وفي سنة 1304هـ صدر أمر من الخليفة المهدي بحضور( كافة) أهالي الجزيرة ورفاعة أولاد أبو سن والضبانية ود زايد والعبدلاب ناصر ولد جماع) كان هناك أمراء بمدينة القضارف من جيش المهدية، حيث قاموا بمهمة الاعتقال وهم عوض الكريم ود كافوت –عبد الله الطريفي والحسن ود عبد الواحد لقد دارت معركة بين جيش الأنصار وبعض أفراد من قبيلة الضبانية بعد اعتقال ود زايد انتهت بقتل عدد منهم، واقتياد ود زايد إلي كسلا بصحبة ابنه محمد ثم أرسل إلي الخليفة بأم درمان، فأودع بسجن الساير في عام 1887م، حيث قضي بالسجن مدة أربعة سنوات . الساير هو (إدريس الساير من قبيلة الجوامعة في كردفان عينه المهدي رئيساً للمساجين وفيما بعد نسب إليه السجن العمومي بأم درمان). وفي هذا يقول عبد القادر سلاطين :
" المرء في أم درمان يسمع مراراً وتكراراً من المارة في أقوالهم : لقد أخذوا فلاناً إلي الساير ومعني الساير عندهم هو السجن الذي يلقي المقبوض عليهم عذاباً شديداً ومجرد ذكر الكلمة يولد شعوراً بالاضطراب والفزع في نفوس سامعيها ."
مكث ود زايد في سجن الساير حتى جاء العفو العام وعفي عنه ورجع إلي قبيلته ووجدها قد تشتت وتفرقت ولم تطل أيامه وفارق الحياة ودفن (بالمناصير) موقع بجوار قرية عصار جنوب مدينة القضارف .

 

 
     
   
الحلقة السادسة الحلقة الخامسة الحلقة الرابعة

الحلقة الثالثة

الحلقة الثانية

الحلقة الأولى  

 

الرئيسية   الاتصال بنا