|
مقدمة :
رغم ازدراء البعض...و....الإشادة والحماس الزائف من البعض
وإهمال البعض لمناشداتي شفاهة و كتابة ... (لأنني لست من أهل
الديار) هذا مع الرأفة .
أزجي بخالص شكري وتقديري للقلة القليلة التي رحبت بمشروعي
التوثيقي (القضارف ...والرجال و المدن التوائم ) وقدمت ما
لديها بسخاء .
بعض الذي احتجته وفرته وثائق مخطوطة وإصدارات هي إضافة حقيقية
لمحور الوثائق في المكتبة السودانية .
بابكر النور
القضارف ...و الرجال والمدن التوائم
الحلقة الرابعة :-
القضارف بين قوين بل وحسن إلياس
يقول السير قوين بل كانت القضارف رئاسة لحامية شرق السودان وهي
إحدى خمسة كتائب تشكل قوة دفاع السودان التي كانت مسئولة عن
الأمن والنظام الداخلي، بالإضافة إلي كتيبتين بريطانيتين
مسئولتين عن الدفاع ضد أي عدوان خارجي، وكانت حامية شرق
السودان تتألف من كتيبة من الهجانة راكبي الجمال يتسلحون
بالبنادق وبقليل من المدافع سريعة الطلقات ولم تكن تملك في عام
1931م أي نوع من وسائل النقل الميكانيكي، وكان يشرف علي
الكتيبة عدد من الضباط البريطانيين الكبار وهم منتدبون لها من
الجيش البريطاني، ويعمل معهم تحت قيادتهم عدد من السودانيين
وكان الجنود يجندون من بين أبناء القبائل التي تعيش في منطقة
كسلا.
أما مستوي الحامية فقد كان رفيع الكفاءة، يسودها نظام صارم،
ويتمتع أفرادها بروح انضباطية عالية. رئاسة الحامية تقع علي
قمة جبل حصين في طرف مدينة القضارف ونشرف علي مطار المدينة
الذي كان يستخدم (ميداناً) للتدريب وملعباً للبولو (حي الميدان
حالياً).
(الميدان) المشار إليه احتفظ باسمه حتى اليوم (حي الميدان) كما
يقول الراحل الأستاذ حسن إلياس في مذكراته التي نشرها في صحيفة
(الديار) التي كانت تصدر عن ولاية القضارف (وقام بصياغتها
وترتيبها الأستاذ عبد الحليم سر الختم): "كانت تقام الاحتفالات
من كل عام في موعد زيارة الملك جورج الخامس في طريقه بحراً من
الهند إلي وطنه إنجلترا.".
في ذلك اليوم كانت تنصب السرادق، وتصف الكراسي، ويزدان المكان
بالأعلام، وتجري فيه مختلف الألعاب (لعبة الكراسي - الملعقة
والبيضة – وجر الحبل)، وفي الكراسي داخل السرادق كان يجلس مفتش
المركز ونائبه وقائد فرقة العرب الشرقية وكلهم إنجليز، ويجلس
أيضاً الحائزون علي كسوة الشرف ووجهاء المدينة من الوطنيين
والأجانب، وكانت توزع عليهم الحلوى ومشروب الليمونادة ويقوم
بالصرف علي كل ذلك (ميخالي باباجورجيو) الإغريقي الجنسية كما
كان يتبرع بكل الجوائز للفائزين .
يقول الراحل حسن إلياس ولعل الحديث عن الخواجة ميخالي الذي أري
لابد من تسجيله (ميخالي هذا كان من أكبر المحسنين في المدينة
وكان يدفع بسخاء لكل تلميذ ينجح في الدخول للمرحلة المتوسطة لا
يفرق بين محتاج وغير محتاج مما كان له الأثر الطيب في النفوس)
.
كان الميدان الذي أشرنا إليه صالحاً لهبوط الطائرات كما ذهبنا
إليه مرة لاستقبال الإمبراطور هيلاسلاسي الذي خُلع من عرشه (في
أعقاب الغزوالإيطالي للحبشة عام1935).
وبمناسبة الإغريق أخبرني السيد (فاسيلي تيرابولس) المزارع
والتاجر بالقضارف، عرف الإغريق القضارف قبل الثورة المهدية
تنقلوا بين عصار ودوكة وحتى القلابات .
أخبرني (عاش بالقضارف (ديمتري البازار ) الذي أسهم عبر
استثماره في توثيق الأغنية السودانية بأصوات رواد الغناء
السوداني – سرور- كرومة – زنقار والفلاتية وغيرهم، في تسجيلها
في اسطوانات في استوديوهات القاهرة. هذا الديمتري أنشأ أول
مكتبة ثقافية بمدينة القضارف اشتهرت بالكتب الثقافية والمجلات
الأجنبية والمصرية خاصة، كان ذلك قبل أن ينقل نشاطه من القضارف
إلي العاصمة الوطنية أم درمان.
أما ميخالي جورجو (الذي تحدثنا عنه) فقد عرفته القضارف قبل
الثورة المهدية وصار من أكبر تجارها، وأمتلك أكثر من نصف مباني
السوق كما عمل كيكوس جوانيدس في مجال التجارة مستورداً ومصدراً
لقد كتب في الأول من مايو 1953م نداءً إلي أهل القضارف تعهد
فيه ببناء سينما يدفع منها شهرياً إعانة قدرها خمسون جنيهاً
مصرياً لصندوق أول مدرسة أهلية وسطي علي أن تؤول السينما بعد
عشر سنوات من تاريخ افتتاحها للمدرسة الأهلية. حيث جاء في
البيان (إن هذا البلد قد أصبح وطناً ثانياً لي، عليّ ما على كل
مواطن من حقوق وواجبات يؤديها نحو وطنه، ولقد رأيت أن أقوم
بواجبي لهذا البلد في ناحية من أهم نواحي الإصلاح ألا وهي
ناحية التعليم).
وقد وقّع على هذا النداء مؤيداً لما جاء فيه الشيخ محمد حمد
أبو سن ناظر الشكرية والسيد/ حسين عبد الرحمن من أوائل مفتشي
الزراعة ومن أبناء القضارف وقد تبني أعيان مدينة القضارف
المشروع، وقد سارعوا في مخاطبة مفتش القضارف بالتصديق للخواجة
كيكوس بإنشاء دار للسينما بالقضارف تدعم موارد التعليم الأهلي
ووقع علي الخطاب السادة : محمد حمد أبو سن ناظر الشكرية ، قاضي
شرعي القضارف مولانا علي سالم ، باشكاتب المحكمة الشرعية محمد
حسن سيد ، ناظر المدرسة الأولية عبد الله عباس. ومن الأعيان:
حسن علي كردي ، أحمد محمد بحر . ومن التجار: كرار كشة ، عمر
كرار كشة ،الرشيد أبوجديري ، الطيب عبد الحفيظ، علي عبد القادر
النور، سيد أبو زيد، أحمد العبيد، حسن عجيمي وصديق حاج علي.
وهكذا ظهرت إلي حيز الوجود سينما كيكوس والتي تحمل اليوم اسم
سينما التعليم .
في عام 1910م قامت الجالية اليونانية ببناء الكنيسة
الأرتوذكسية وشيدت معها منزلاً للقس ومدرسة لتعليم اللغة
اليونانية . كما عرفت القضارف أول مقهي علي الطريقة اليونانية
ألحقت به صالة للعبة (البلياردو)، كما تم تصنيع الليمونادة
محلياً وقد ساعدت كربوناتها المركزة في إقبال الناس عليها أكثر
من إقبالهم علي (الجردقة والعطرون).
ومن أهم معالم القضارف آنذاك (الشركة الحبشية) التي أسسها
الثلاثي "بنايوتي قاربتس"، "كرياكو بابا جورجيو" و "ديمتري
ترامارجيلي".
ويعتبر الخواجة بنايوتي تيرابوس من أوائل اليونانيين الذين
اتخذوا من القضارف موطناً منذ عام 1910م، وقد عمل تاجراً
متجولاً في قري كساب، الصراف، ود ضعيف و الحمره، لفترة طويلة
قبل أن يؤسس تجارته العمومية بالمدينة. وفي بداية الخمسينات
أهتم بنايوتي بإنشاء الطواحين وكان لديه أكثر من عشر طواحين في
قري القضارف وقد أطلق عليه لقب (ملك الطواحين) .
يتذكر المستر قوين بل مركز القضارف (الموجود حتى اليوم) كانت
رئاسة المركز مشيدة في شكل مربع يحيط به سور حجري منخفض
والمباني فيه تتألف من مكتب المفتش والمأمور والكتبة والمحكمة
والخزينة ومخازن السلاح كان يقوم علي حراسة المباني وأمنها ستة
من رجال الشرطة، ويرفرف عليها العلمان البريطاني والمصري في
ساعات النهار ويطويان عند غروب الشمس علي أنغام الموسيقي وكان
الحرس يستعد كل صباح لطابور التفتيش عند وصول المفتش وهذا
الإجراء اليومي كان ضرورياً للحفاظ علي هيبة السلطة وقوة
الحكومة .
القضايا التي ينظرها القاضي تبدأ بتقديم شكوى مكتوبة في عريضة
عليها رسم قدره خمسة وعشرون مليماً ولما كان الناس أميين لا
يعرفون القراءة والكتابة فقد سمح لكاتب العرائض أن يجلس علي
الأرض في فناء المركز وأن يضع أمامه منضده منخفضة عليها دواية
الحبر (محبرة) وقلم البوص وتراه مستغرقاً في التفكير مع زبائنه
وهو يستمع إلي شكواهم . وكان هناك أيضاً كاتب للخطابات أمام
مكتب البريد .
ويحدثنا السير قوين مساعد المفتش بمركز القضارف 1931-1933م عن
(أسراب الجراد) (التي لا تعرفها أجيال الثمانينات وما بعدها) (فبصرف
النظر عن حجم أسرابه ، يثير الرعب في النفوس وكانت أسرابه تبدو
لنا أول الأمر كعاصفة ترابية ذات لون رمادي تحجب أشعة الشمس
دون جلبة سوي صوت أجنحتها وهي ترفرف في الهواء. ثم تحط عشرات
الآلاف منها فتأخذ في التهام النباتات الخضراء بنهم شديد وفي
وقت ضيق وجيز جداً تتعري الأشجار من أوراقها الخضراء، وتختفي
كل مظاهر الخضرة والحياة بينما تواصل أسراب أخري زحفها إلي
الأمام) كأنها تسير وفق خطة مرسومة وتحت قيادة موحدة. وكانت
تتبع الجراد أسراب الطيور تأكلها، نرحب بها، ونعتبرها حليفاً
لنا في حربنا ضد الجراد، وكان القرويون يكافحون الجراد
بطريقتهم البدائية وهي الضرب علي الصفيح الفارغ لإحداث أصوات
تفزعه وتبعده عن مزارعهم وكانت هذه طريقة محدودة الأثر.
*إصحاح البيئة :-
يقول الراحل حسن إلياس كان مفتش المركز يمر هو والعمدة ومشايخ
البلد أحياء المدينة صباح كل سبت وثلاثاء ويمرون علي شوارع
المدينة كلها، وكانت العقوبة جاهزة وصارمة لكل من لا يقوم
بنظافة الشارع أمام سكنه مما جعل الناس يسهرون ليلة السبت
وليلة الثلاثاء في نظافة الشوارع والحيشان، وعلي ذكر النظافة
وإصحاح البيئة أذكر عامل الصحة الذي كان يمر علي المنازل في
الأسبوع مرة علي الأقل متفقداً (الأزيار) وأماكن توالد الناموس،
لذا كانت المدينة خالية من الناموس والأمراض. وأذكر أنه في
طابور الصباح (المدرسي) يحضر ممرض من المستشفي يوزع علينا سائل
(مشروب الكينا) المر للوقاية من الملاريا في كأس (طلس) مكتوب
عليه اختصاراً S.M.S -Sudan Medical Service ، وكان ما يسمي
بضابط المدرسة يمر علي الطابور الصباحي متفقداً نظافة الأجسام
والشعر مما جعلنا نهتم بكل ذلك وإلي الآن حيث أي تقصير معناه (علقة
ساخنة ) .
*الماء ... أكرب والقربة :-
الماء هو هاجس أهل القضارف علي مر السنوات كانت هناك بئر شرق
نادي فريق الأهلي (عرفت ببئر السجن حيث كان نزلاء سجن القضارف
يمدون السجن من مائها) وبئر شرق نادي السهم وثالثة غرب المدرسة
الأميرية بنين وأخري في الجزء الجنوبي الغربي من مسجد أنصار
السنة المحمدية إلا أن أكثر الآبار شهرة هي بئر (دنقول) وهو
واحد من أبرز المفتشين الإنجليز الذين عملوا بمركز القضارف كان
لا يطغى علي شهرة دنقول إلا اسم (المستر إيفانز) وهذا هو اسمه
الحقيقي كان الأول رقيقاً مهذباً يحسن معاملة البشر بينما كان
الثاني فظاً قاسياً لا يحسن سياسته ولا إدارته (عمل معه المستر
قوين بل في الفترة من 1931- 1933م بمركز القضارف).
يتذكر الراحل حسن الذين يتاجرون بالماء من اليمانية يحملونها
علي قرب و (القربة كلمة عربية فصيحة) كانت القربة ضخمة يحملها
الواحد علي ظهره دون انحناءة ويحكم ربطها في الجانب الخلفي
الذي يندفع منه الماء عند فك الرباط .
خلف (اليمانية) في هذه المهنة (الأحباش) كانوا يحملون الماء في
أخراج علي ظهور الحمير واختفي الأحباش لتظهر طبقة من أولاد
البلد كانوا يحملون الماء في فناطيز علي عربات (الكارو) التي
تجرها الخيول ثم اختفت لتحل محلها طبقة أخري تحمل الماء في
براميل مصممة بطريقة خاصة في عربات تجرها الحمير يوزعون الماء
علي أطراف المدينة لأن الجزء الأكبر من المدينة وخاصة الوسط
أصبحت تصله الماء عبر شبكات المواسير تحت إشراف هيئة مياه
المدن وتُجلب من نهر عطبرة محطة مياه الشواك.
ويقول الراحل حسن إلياس (خطر ببالي عند ذكر الماء عندما ينشب
حريق في شهر (صفر) (مارس) في الغالب يصعب إطفاؤه لقلة الماء
وكان المسئولين والمواطنون يجبرون أصحاب الحمير علي التوجه
لمكان الحريق لإطفاء النار قبلما تلتهم ألسنتها منازل أخري).
الغريب في الأمر أن لدي السكة حديد كميات وافرة من الماء لا
يمكن التفريط في جالون منها قبل الاستئذان من عطبرة وكنا نحفظ
في ذلك الوقت إن القضارف اتصلت (ببلنجة كسلا) ولا ندري ما هي
بلنجة هذه . كل ذلك للسماح بإطفاء الحريق ولكن قبل أن تصل
موافقة (بلنجة كسلا) تكون النار قد التهمت كل الذي تصل له.
ولا يزال الماء هو هاجس أهل القضارف وحكومتها محلية – مركزية
أو ولائية. الآبار لم تعد تكفي حاجة السكان الذي يتزايد بوتيرة
سريعة . حقل أبو النجا ساعد في فترة زمنية هامة وكانت محطة
مياه الشواك (65 كلم شرق مدينة القضارف سعتها (10) مليون م3
وهي أقلّ من الاحتياج الفعلي الذي يقدر بحوالي (27) مليون م3
). التي ساعد الراحل الرشيد الطاهر بكر إبان توليه حقيبة وزارة
الإشغال في إنشائها. وفي طريق البحث عن حل دائم كان مشروع سد (أكرب)
في الجزء الجنوبي الشرقي من حوض القضارف (منطقة سندس) والذي
حاضرنا عنه المهندس صغيرون الزين صغيرون عام 1995م بقاعة أمانة
اجتماعات الحكومة وهو مشروع مقترح قام به قسم الأبحاث المائية
بوزارة الري عام 1957م وأكرب هي أنسب موقع لقيام السد (كما
تقول الدراسة) علي فرع نهر عطبرة علي بعد (40) كلم من الحدود
السودانية الإثيوبية حيث يوفر السد أكثر من (1100) مليون متر
مكعب من المياه وأهم ما يميّز هذا الموقع وجود حدبه طبيعية (كما
هو الحال في الترعة الرئيسية لمشروع الجزيرة).
حيت تمتد من منطقة الخزان المقترح في منطقة أكرب إلي مدينة
القضارف ومنها إلي منطقة البطانة ويمد المدن والقرى علي مسار
الترعة الرئيسية بالماء .
المشروع ليس حلاً دائماً لمشكلة الماء فقط بل يشكل انقلاباً
زراعياً واقتصادياً حيث يتبع وصول الترعة إلي منطقة البطانة
قيام مشروع زراعي في مساحة (500) ألف فدان ويساعد في استقرار
الرحل وبين موقع السد ومدينة القضارف يتيح زراعة المحاصيل
النقدية : قطن طويل التيلة ، بن و شاي بالإضافة للمحصولات
البستانية (حواشات بالري الصناعي) يحقق التوازن البيئي بين
التربة والماء والنبات والإنسان والحيوان وفوق ذلك إسعاف خزن
خشم القربة (والذي تنفذ الولاية الآن مد القضارف منه بالماء )
بعد أن قل مخزونه من الماء بسبب الأطماء التي تراكمت .
*بتحفظ شديد أقول إن مشروع سد أكرب الذي سوف يؤدي إلي قيام
نهضة زراعية وصناعية واقتصادية سيكون لها أثرها البارز في
الاقتصاد الوطني ككل جابه ويجابه ضغوط من قبل (كولاك الزراعة
الآلية) من جهة ومن جهة أخري خوف (أو تخويف) إنسان البطانة
بتجربة مشروع حلفا الجديدة الزراعي الذي أدخل (الرجل الغريبة)
للمنطقة وهو تخويف تفوح منه رائحة عطر (العنصرية والقبلية)
الفاسد.
|