الأستاذ: بابكر النور

القضارف الرجال والمدن التوائم

 

تقديم: (هذه كتابات توثيقية لتاريخ مدينة ومنطقة القضارف، بقلم الأستاذ بابكر محمد النور، نشرت مسلسلة في حلقات بصحيفة السوداني خلال شهر يوليو 2006م، بها حقائق وأحداث  لم تجد نصيباً من النشر قبلاً- علاوةً على أنها تمثل إضافة ثرة لتاريخ المنطقة. رأينا نشرها حتى تعم الفائدة).        -إدارة الموقع

 
الحلقة السادسة الحلقة الخامسة الحلقة الرابعة

الحلقة الثالثة

الحلقة الثانية

الحلقة الأولى

 

مقدمة :
رغم ازدراء البعض...و....الإشادة والحماس الزائف من البعض وإهمال البعض لمناشداتي شفاهة و كتابة ... (لأنني لست من أهل الديار) هذا مع الرأفة .
أزجي بخالص شكري وتقديري للقلة القليلة التي رحبت بمشروعي التوثيقي (القضارف ...والرجال و المدن التوائم ) وقدمت ما لديها بسخاء .
بعض الذي احتجته وفرته وثائق مخطوطة وإصدارات هي إضافة حقيقية لمحور الوثائق في المكتبة السودانية .

 بابكر النور

 
القضارف ...و الرجال والمدن التوائم
الحلقة الخامسة :-
التعليم والمكتبات والإحياء والرياضة .


اشتهرت مدينة القضارف بعدد كبير من الخلاوي، منها خلوة الشيخ عثمان الكردي، خلوة الشيخ الفكي البشير، خلوة ديم (الخامة) الخاصة، وكان شيخها الخليفة الحسن وخلوة الأورطة (فرقة العرب الشرقية) وكان شيخها سيدنا محمد صالح والد الشاعر محمد عثمان محمد صالح (كجراي) هذا بخلاف الخلاوي الخاصة . لتدريس الأبناء والأحفاد مثل خلوة الخليفة طه ود عوض والد الأستاذ/ الصفي الراحل محمد الخليفة طه (الريفي) .
ولم يكن حين ذاك بالقضارف مدرسة سوى المدرسة الأميرية الأولية بنين والموجودة حتى الآن شمال مسجد القضارف العتيق ومدرسة أولية للبنات هي مدرسة ديم حمد بنات .
أغلب المعلمين كانوا من أبناء القضارف وهنا أترك السطور للراحل حسن إلياس الذي كتب (عندما التحقت بمدرسة القضارف الأميرية الأولية عام 1933م كان ناظر المدرسة الشيخ عمر الأزرق خلفه عليها الشيخ إبراهيم النحاس بعد أن تم نقل الشيخ عمر الأزرق إلي كسلا بين عامي 35-1936م أكثر المعلمين في ذلك الوقت كانوا من أبناء القضارف الشيخ عثمان العوض،الشيخ الطيب الأمين،الشيخ إبراهيم عوض الكريم أبو سن،أما الشيخ حمزة فتح الله فهو من توتي لكنه تزوج من(أبّا يو) وكان يحضر إلي المدرسة ممتطياً ناقته والناظر عمر الأزرق هو من الأزارق المعروفين بالقضارف والشيخ النحاس من الخرطوم بحري) .
والمدرسة الأميرية أيضاً تلقي فيها تعليمه الشاعر محمد عثمان محمد صالح كجراي كما أورد في مقدمة ديوانه (الصمت والرماد) كما تلقي تعليمه فيها الشاعر خليل عجب الدور وعمل بها الشاعر المجوّد المقل الصادق عبد الرحمن الخزرجي الذي قتل هو ومجموعة من زملائه المعلمين في مدرسة (كواجينا) بجنوب السودان في 19 أكتوبر 1964م .
يتذكر الراحل حسن إلياس (كنا ندرس مواداً ليس لها وجود الآن وهي في مجملها الأخذ من كل شيء بطرف كانت هناك دروس الصحة والبيطرة والأعمال و لا أنسي حصة الخط النسخ وحصة الخط الرقعة ولكلٍ كتاب باسم السلاسل الذهبية يوزع علي التلاميذ ولاشك أن الخط في ذلك العهد كان بالفعل كالسلاسل الذهبية ) .
من بين كتب المطالعة أذكر التحفة السودانية التي اشترك في تأليفها الأساتذة / عمر إسحاق ، كمال الدين عباس و محمد عمر البنا والأخير من شعراء السودان الفحول .
وفي شرق السودان آن ذلك (حتى1950) لم تكن هناك مدرسة وسطي إلا في بورتسودان وهي (نصفية) وفي رفاعة أيضاً (نصفية) بمعني أنها تقبل عاماً وتترك العام الذي يليه بلا قبول فيكون بالمدرسة أحياناً أولي وثالثة وحيناً ثانية ورابعة أما المدارس المكتملة فهي فيما أذكر كانت بالأبيض ، دنقلا، مدني الخرطوم وأم درمان.
في عام 1941م كنا بالثانوي الوحيد في السودان(الخرطوم الثانوية) وكانت تقبل في العام الواحد لخمسة أنهر مائة وعشرين تلميذاً بواقع خمسة وعشرين تلميذاً للفصل والذين يكملون الثانوي بنجاح يواصلون دراستهم في المدارس العليا .
كان مديرها يوم ذاك المستر (هبرت) أما أساتذتها فجلهم من الإنجليز إلا القلة القليلة من السودانيين العمالقة – كان الأستاذ إسماعيل الأزهري معلم الرياضيات ومعه الأستاذ عوض ساتي وأمين زيدان والأستاذ البنا اللغة العربية والتربية الإسلامية يدرسها لنا الشيخ مجذوب جلال الدين وكانت كل المواد تدرس باللغة الإنجليزية سواء كان المدرس إنجليزي أو سوداني عدا اللغة العربية والتربية الإسلامية (طبعاً) وفي يوم الخميس من كل أسبوع كنا نجتمع في غرفة العلوم للاستماع للزعيم إسماعيل الأزهري في سلسلة محاضرات بعنوان (الطريق إلي البرلمان) .
يقول الراحل عبد الله رجب في (مذكرات إغبش) كنت في نزوحي الجزيء إلي القضارف قدخلفت ورائي (مكتبة الثقافة العصرية) التي أملكها مستمرة بدون تصفية تحت إدارة بعض الأصدقاء بسنجة ثم اتفقت مع الأخ السلمابي علي تفريع تلك المكتبة بالقضارف تحت إدارته وكانت تقتصر علي مجلات وصحف قاهرية قليلة ، نافسنا بها صديقنا المرحوم حنا تسفاي لعدة شهور ثم أوقفناها .
وكتب الراحل حسن إلياس (المكتبات في القضارف وحسب علمي وفوق كل ذي علم عليم (مكتبة ديمتري البازار) كانت فيما أذكر أول مكتبة بالقضارف بها المجلات المصرية وبعض الكتب ولم يكن معها أو قبلها أي مكتبة بها مجلات مصرية . وعندما رحل ديمتري البازار إلي أم درمان خلفه في المهنة حنا تسفاي وكانت مكتبة عامرة بالمجلات والجرائد المصرية والسودانية وبعض المؤلفات الأخرى وقد ظلت تقدم خدماتها لسنوات عديدة حتى ظهرت مكتبة شيخ الدين ولم تستطع منافسة مكتبة (حنا) لأن (حنا تسفاي ) وهو (سوداني من أصول إثيوبية ) كان مثقفاً وتربطه صلات وثيقة مع المثقفين بالقضارف أما مكتبة (عبد القادر الخانجي) تزامنت تقريباً مع مكتبة البازار إلا إنها تخصصت في الكتب الدينية فقط كما ظهرت مكتبة (الجمري) ثم مكتبة (محمد يوسف علقم) التي خلفت مكتبة الخانجي ) .
وكانت القضارف محصورة بين الجامع العتيق شرقاً وشريط السكة حديد غرباً فيما يسمي (بديم حمد) وكانت هناك مساكن لبعض المواطنين شرق الجامع العتيق إلي (الأورطة) كما كانت آنذاك ، وهي مقر وسكنات القوات المسلحة اليوم . وكان هناك ما يسمي (فريق البقر) وهو محصور غرباً بشارع كسلا فيما يلي الخور الواقع جنوب شرق الأورطة .
لماذا سمي (بفريق البقر)؟ قيل لكثرة الأبقار في ذلك الحي وبعد سنوات تغير فريق البقر إلي فريق ود (الخامة) وهو رجل من منطقة رفاعة أستوطن حي البقر وأسكن معه العديد من أهله وذويه وصار صاحب أغلبية فتغير الاسم لدواعي (الديمقراطية) فيما يبدو . ثم في تطور لاحق سمي بحي النصر وشمل جزءاً هاماً من القضارف ذلك الجزء الذي يقع جنوب شرق فريق البقر ليصل حتى كبري المأمور.
من هو المأمور الذي أطلق اسم وظيفته عليه ؟؟ إنه المأمور حسين عثمان من أبناء الأبيض، كان يقطن المنزل المجاور للكبرى من الاتجاه الشمالي (وهو المنزل الذي صار فيما بعد لمهندس النقل الميكانيكي). وقد كان أحد أبنا حسين عثمان ضابطاً عظيماً بالجيش (عثمان حسين) أما ابنه الثالث والذي ربما يعرفه الكثيرون من مناطق السودان المختلفة لا لأنه ضابط في الجيش فحسب ولكن لأنه حاول الإطاحة بالرئيس الأسبق نميري عام 1975م، إنه المقدم حسن حسين عثمان له الرحمة .
مازلت مع مذكرات الراحل حسن إلياس (سمعنا بفريق الجنائن الذي أضحي حياً كاملاً بعد أن كان فريقاً أما الجنائن قبل أن تعطي اسمها لهذا الحي كانت للمواطن (الحاج علي كردي) و(الحاج الطاهر) من الصوفي الأزرق والحاج عتمان (بالعين والتاء) كما كان للحاج محمد حمد أبو سن جنينة بعيدة عن هذه (وهي الجنينة التي ذكرها البروفيسور أحمد إبراهيم أبو سن والتي تبرع بها الناظر محمد حمد أبو سن كمنطقة سكنية للذين فقدوا منازلهم إثر الحريق الهائل الذي قضي علي منازل ذلك الحي) ( وأظنه حي الخامة (البقر سابقاً) النصر حالياً) أبان الحكم الوطني حيث جاء الزعيم إسماعيل الأزهري لمواساة منكوبي الحريق وقد ألقي الأستاذ الشاعر/ الصادق عبد الرحمن الخزرجي ناظر المدرسة الأميرية آنذاك قصيدة ألهب بها مشاعر الجماهير جاء فيها :
أهـل القضـارف أتـوك أشيـاخاً ومروداً
أعطوك طاعة مخلص فأمنحوهمو عطفاً ووداً
فالنار قد عاست فساداً في ربوعهمو وحصداً
أبـداً تزمجر فـي عتو يرهب الليث الأشـدا
أبداً تعربد في الـديار فيلبسون الليل سـهداً
فأمدد لهم يدك الكريمة من يمد اليوم يداً ؟
من غير إسماعيل يرجي أن رأيت الناس تصدي؟
فيما كانت لمحمد عوض الكريم أبو سن جنينة بالقرب لما يسمي بجنينة الحكومة والتي كانت تمد الموظفين (فقط) باحتياجاتهم .
أما الأحياء التي كانت قائمة من قبل فهي (ديم بكر) و(الصوفي الأزرق) وديم النور (نسبة للنور عنقرة آخر قادة الثورة المهدية بالقصارف ) وروينا التي تقع في الجزء الشمالي من المدينة – ومنطقة زريبة المفتش التي كان محظوراً دخولها لأي شخص ولكننا كنا ونحن صغار (والحديث للراحل حسن إلياس) نتلصص حتى يمكن أن نتسلل لأي موقع قريب من بيان الشيخ (حمد القدال) مازال البيان موجوداً وسط أشجار الهجليج شرق (الإستراحة الدستورية) . وبيان الشيخ حمد القدال كانت زيارته كل أربعاء ومن الأحياء المشهورة بالقضارف حي سلامة البي الذي ورد ذكره عبر حديثنا عن البي عبد الله بكر مصطفي .
كان بالقضارف ما يسمي (بنادي القضارف) كان اسمه بنادي الموظفين وهو النادي الوحيد بمدينة القضارف وبعد سنوات عديدة نشأ نادي السهم ثم نادي الأعمال الحرة ثم النادي الأهلي .
كان مفتش المركز هو الرئيس الفخري لنادي القضارف وكان النادي منارة لأهل القضارف ومصدر إشعاع ثقافي وإن أنسي لا أنسي ذلك الاجتماع الذي عقد بالنادي لدعوة كل مزارعي المنطقة لتسيير مسيرة احتجاج علي تدني الأسعار وقد نجحت المسيرة أيما نجاح .
كان النادي يمتد شمالاً حتى شارع الأسفلت الحالي أي أنه كان يشمل ما هو معروف الآن بعيادة المستشفي الخارجية (سابقاً) .
كان للنادي ثلاثة ميادين للتنس وتربيزة للبلياردو ومازال المستشفي يقتطع كل حين أرضاً تابعة للنادي حتى بلغ (بأحدهم) فيما علمت أن يطالب بإزالته كلياً لصالح المستشفي (من دواعي الأسف والمأساة أن النادي قد صدق له بقطعة الأرض في هذا الموقع في أيام الاستعمار المفتش الإنجليزي وبدأت عملية الاقتطاع منه وتقليصه حتى صار كحجم الجبراكة (الجبراكة هي : قطعة الأرض الصغيرة خلف منازل البسطاء تزرعها النساء خريفاً لتساعد في قوت العام) في زمن الأنظمة الوطنية ).
تأخر كثيراً قيام الأندية الرياضية بالقضارف(كما يقول الراحل حسن إلياس) بالرغم من ممارسة لعبة كرة القدم في أواخر العشرينات بين شباب ذلك الجيل (شيخ أمان ، عثمان العوض و سعيد جيلاني ) مع ضباط أورطة العرب الشرقية وموظفي الحكومة الذين تعاقبوا علي المصالح الحكومية -حيث كانت تقام مواسم تنافسية بين الشباب من المدنيين والعسكريين خاصة في جلوس الملك جورج السادس ملك بريطانيا العظمي وعيد الملك فؤاد ملك مصر وكانت المباريات تقام في ميدان السباق (حي الميدان حالياً)
في أواسط الثلاثينات بدأ إنشاء بعض الفرق التي تتباري مع فريق فرقة العرب الشرقية حيث أنشأ فريق (الزهور) عام 1937م وكان يضم من اللاعبين الشيخ أمان ، عبد الرحمن علي نوي ، علي محمد عبد المجيد ، محمد سعد النور ، محمد كرار النور ، إبراهيم حسن كردي ، الجاك جيلاني ، قسم السيد دفع الله ، عمر كرار كشة ، عثمان آدم وعبد الرحمن آدم محمد 1924-1954م الذي نتوقف عنده قليلاً فهو أول سوداني يتخرج من كلية غردون في سنة 1948م ويعين في وظيفة ضابط آثار أوفد إلي بريطانيا عام 1951م لدراسة الآثار بجامعة كمبردج وتوفي إثر حادث مؤسف حين اختنق بالغاز في الحمام بكمبردج وكان ذلك في 25/ديسمبر 1954م .
وكان الفريق العسكري يضم الصاغ محمد الحسن عثمان ، الصاغ سليمان إبراهيم ، اليوزباشي محمد طلعت فريد ، اليوزباشي محمود أبو سمرة ، اليوزباشي محمد رضا فريد ، اليوزباشي محمد نصر عثمان واليوزباشي مصطفي الكمالي .
وبعد الحرب العالمية الثانية جاء ميلاد فريق الوطن وكف الأسد ولم يعمروا طويلاً. وكان نادي الأعمال الحرة فكرة قادها المرحومان: عمر أحمد عريبي وعبد الله الخضر عام1946م وفي عام 1947 كان ميلاد نادي السهم وكانت الفكرة من المرحومين مصطفي أحمد عبد الله وحسن سليمان . تأسس بعدها النادي الأهلي عام 1948م حيث بدأت اجتماعات التأسيس في منزل المرحوم النور محمد علي منتاي وكان من مؤسسيه الشيخ أمان، علي محمد نور، حسن عبد الجواد ، يسن محمود عربي ومحمد إبراهيم إسماعيل .
وفي بداية عام 1949م اجتمعت الأندية الثلاثة وأجمعوا علي تكوين اتحاد محلي وجاء ميلاد أول اتحاد علي النحو التالي :-
1/ المستر بلفور مفتش أول مركز القضارف رئيساً
2/المرحوم عباس سعيد جيلاني سكرتيراً
3/المرحوم أحمد عوض الكريم أبو سن أميناً للمال
4/المرحوم البكباشي سليمان إبراهيم مستشاراً قانونياً
وعضوية مندوب من كل نادي
وفي عام 1952م إنضم الاتحاد المحلي بالقضارف إلي الاتحاد العام لكرة القدم السودانية وقد مثل فريق الأهلي لأول مرة القضارف في الدوري العام ولعب بدار الرياضة بأم درمان أمام بري في عهده الذهبي وكان يضم اللاعبين جنجة ، جربان والهادي صيام وانتصرت بري علي الأهلي 2 / صفر .

 

 

 
     
   
الحلقة السادسة الحلقة الخامسة الحلقة الرابعة

الحلقة الثالثة

الحلقة الثانية

الحلقة الأولى  

 

الرئيسية   الاتصال بنا